أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

159

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) قوله تعالى : قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ : في هذه الآية احتمالان : أحدهما : أن يكون المأمور بهذا المقول - وهو آمنّا إلى آخره - محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم في ذلك معنيان . أحدهما : أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك ، وإنما حذف معطوفه لفهم المعنى ، والتقدير : قل يا محمد أنت وأمتك : آمنّا باللّه ، وهذا تقدير ابن عطية . والثاني : من المعنيين أنّ المأمور هنا بذلك نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وحده ، وإنما خوطب بلفظ الجمع تعظيما له . قال الزمخشري : « ويجوز أن يؤمر بأن يتكلّم عن نفسه كما تتكلم الملوك إجلالا من اللّه لقدر نبيه » قلت : وهو معنى حسن . والاحتمال الثاني : أن يكون المأمور بهذا المقول من تقدّم ، والتقدير : قل لهم قولوا آمنّا ، فآمنّا منصوب بقل على الاحتمال الأول ، وبقولوا المقدر على الثاني ، وذلك القول المضمر منصوب المحل . وهذه الآية شبيهة بالتي في البقرة « 1 » ، إلّا أنّ هنا تعدية أنزل بعلى ، وهناك بإلى . فقال الزمخشري : « لوجود المعنيين جميعا لأنّ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر » وقال ابن عطية : « الإنزال على نبي الأمة إنزال عليها » ، وهذا لا طائل فيه بالنسبة إلى طلب الفرق . وقال الراغب : « إنّما قال هنا « عَلى » لأن ذلك لمّا كان خطابا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وكان واصلا إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية كان لفظ « عَلى » المختصّ بالعلو أولى به ، وهناك لمّا كان خطابا للأمة ، وقد وصل إليهم بواسطة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان لفظ « إلى » المختصّ بالإيصال أولى ، ويجوز أن يقال : « أنزل عليه » إنما يحمل على ما أمر المنزّل عليه أن يبلّغه غيره ، و « أنزل إليه » على ما خصّ به في نفسه وإليه نهاية الإنزال ، وعلى ذلك قال : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 2 » وقال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ « 3 » خصّ هنا بإلى لمّا كان مخصوصا بالذكر « الذي » هو بيان المنزّل ، وهذا كلام في الأولى لا في الوجوب » . وهذا الذي ذكره الراغب ردّه الزمخشري فقال : « ومن قال : إنما قيل « عَلَيْنا » لقوله « قُلْ » ، و « إلينا » لقوله « قولوا » تفرقة بين الرسول والمؤمنين ، لأنّ الرسول يأتيه الوحي على طريق الاستعلام ويأتيهم على وجه الانتهاء فقد تعسّف ، « ألا ترى » إلى قوله بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ « 4 » وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ « 5 » وإلى قوله : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا « 6 » . وفي البقرة : وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ « 7 » وهنا « وَالنَّبِيُّونَ » لأنّ التي في البقرة لفظ الخطاب فيها عامّ ، ومن حكم خطاب

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 136 ) . ( 2 ) سورة العنكبوت ، آية ( 51 ) . ( 3 ) سورة النحل ، آية ( 44 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 4 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 48 ) . ( 6 ) سورة آل عمران ، آية ( 72 ) . ( 7 ) سورة البقرة ، آية ( 136 ) .